الشيخ عبد الغني النابلسي

278

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

عمل أصلا ولا داعية تقتضي ذلك وهو قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، أي منة وفضلا وكرما وهي نعمة الإيجاد لكل شيء والأولى نعمة الإمداد لأهل الاستعداد ، فإن من لا استعداد له لا إمداد له وبقاؤه في الدنيا بطريق الإيجاد المتكرر لا بطريق الإمداد المتأكد ومنه ، أي من طريق الامتنان رحمته تعالى بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] ، وكذلك قوله تعالى في حق غيره من الأمة : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] ، وقوله سبحانه لعباد الاختصاص المضافين إليه تعالى لانقطاعهم عن كل ما سواه والتجائهم إليه سبحانه بالفناء عن كل شيء : * قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) [ الزمر : 53 ] . ومنها ، أي من رحمة الامتنان أيضا قوله تعالى كما ورد في الحديث في حق أهل بدر اعملوا ما شئت فقد غفرت لكم « 1 » . وفي رواية الجامع الصغير للسيوطي ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كما لا ينفع مع الشرك شيء كذلك لا يضر مع الإيمان شيء » . وفي رواية لأبي نعيم : « كما لا يضر مع الإيمان ذنب لا ينفع مع الشرك عمل » « 2 » . حتى قال بعض الشارحين : من أراد الإيمان الحقيقي الكامل الذي يملأ القلب نورا فتستأنس النفس وتصير تحت سلطنته وقهره ، فهذا الذي لا يضر معه شيء من الأشياء إذ الإيمان كما في الحكم قد يكون في الغيب وقد يكون عن كشف وشهود وهو الحقيقي فاعلم يا أيها السالك ذلك ، أي ما ذكر لأنه يكشف لك خفايا المسالك . * * *

--> ( 1 ) رواه الهيثمي في موارد الظمآن ، باب في أهل بدر ، حديث رقم ( 2221 ) [ 1 - 5482 ] ونصه : عن جابر أن ابن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أراد غزوهم فدل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب فأرسل إليها فأخذ كتابها من رأسها فقال : يا حاطب أفعلت قال : نعم أما إني لم أفعله غشا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا نفاقا ولقد علمت أن اللّه سيظهر رسوله ويتم أمره غير أني كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت أهلي معهم فأردت أن أتخذها عندهم يدا فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ألا أضرب رأس هذا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتقتل رجلا من أهل بدر ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 4916 ) [ 3 / 304 ] .